من الظواهر المؤسفة التي باتت شائعة في الحرم المكي انشغال كثيرٍ من الزوار بتوثيق لحظاتهم عبر الهواتف، حتى طغى التصوير على روح العبادة وأضعف معاني الخشوع والإخلاص.
فتجد بعض الطائفين يقطعون طوافهم لالتقاط الصور للحجر الأسود أو مقام إبراهيم أو باب الكعبة، بينما ينشغل آخرون بتصوير مشاهد الزحام، وكأنهم في معلم سياحي لا في بيت الله الحرام. بل انتشر مؤخرا نقل المعتمر مناسك العمرة عبر البث المباشر لأهله وأقاربه وأصحابه أثناء طوافه وسعيه! متشاغلا بذلك عن ما شرعت العمرة لأجله.
بل إن الأمر تجاوز ذلك إلى ممارسات غريبة؛ فمنهم من يطلب من رفيقه أن يصوره وهو يدعو، فيرفع يديه متظاهراً بالتضرع، لا ابتغاء وجه الله، بل ليُخلّد صورته أمام الكعبة! وآخر يمسك المصحف في هيئة خشوع مصطنع، فقط ليؤخذ له صورة وهو يقرأ القرآن! بل ومن النساء من تكشف وجهها خصيصًا ليصورها زوجها! أو حتى تطلب هي أو زوجها من غيرهما من الرجال أن يلتقطوا لهما صورة.
إن هذا السلوك يعكس ضعف استشعار قدسية المكان، فالمسجد الحرام لم يكن يومًا موضعًا للاستعراض والتصوير، بل هو محضنٌ للعبادة والخضوع والخشوع لله وحده. فأين الإخلاص الذي ينبغي أن يكون ركنًا أصيلًا في كل طاعة؟ وأين التذلل والانكسار بين يدي الله في بيته العتيق؟
لقد تحوّل الحرم عند بعض الناس من موطنٍ للتعبد والتقرب إلى الله إلى ساحة لالتقاط الصور ونشرها، وكأنها غاية في ذاتها، فهل من متّعظ؟ وهل من ناصحٍ يُذكّر بأن الإخلاص هو جوهر العبادة؟ ولا حول ولا قوة إلا بالله.
بل قد رأيت منذ أيام مقطعا لأحد الأئمة في أحد بلاد الإسلام يصلي التراويح بالناس وقد وضع جواله أمامه ونقل صلاته عبر بث مباشر في أحد تطبيقات البثوث وظل يختلس النظر ليرى تفاعل الناس معه.
فالله المستعان على ما آلت إليه الأمور فنسأله العصمة من مثل هذا بمنه ورحمته.
>>Click here to continue<<